كثرت حركة الخطابة في العصر العباسي الأول وتعددت موضوعاتها نظرا لطبيعة الظروف التي كانت سائدة في ذلك العصر، ولكن قلت حركة الخطابة في العصر العباسي الأول من الخطابة السياسية والحفلية، واشتهرت الخطابة الدينية في هذا العصر، إذ اتخذ منها العباسيون وسيلة لإثبات حق العباسيين في الحكم أثناء الثورة العباسية ، إليكم تفاصيل فن الخطابة في العصر العباسي الثاني .
فن الخطابة في العصر العباسي الثاني
تعرف الخطابة بأنها : “فنّ أدبيّ نثريّ غايته إقناع السامعين أو وعظهم أو إمتاعهم” ، ولقد عرّفها الأقدمون بأنها: مجموعة من القوانين التي تُعرِّف الدّارس طرق التأثير بالكلام إلى جانب حسن الإقناع بالخطاب، فهذا العلم معنيّ بطرق التأثير في الناس، بالإضافة إلى وسائل الإقناع وما ينبغي أن يكون عليه الخطيب من الصّفات والمواضيع المختلفة التي ينبغي له أن يتوجه إليها.
قد ازدهرت الخطابة في بداية العصر العبّاسي وبلغت أوجها، إلّا أنّها اضمحلّت بعد ذلك، والسّبب في ذلك يعود لاحتجاب الخلفاء عن عامّة النّاس وزوال دواعيها، ومن الجدير ذكره أنّ ارتفاع شأن الخطابة في بداية العصر العباسي هو حاجة الدولة العباسيّة الشديدة لترسيخ ملكها وإثبات حقّ العباسيّين في خلافتهم، لذلك ازدهرت الخطابة في ذلك العصر ، ويُعرّف ابن رشد فنّ الخطابة قائلًا: “الخطابة هي قوة تتكلّف الإقناع الممكن في كل واحد من الأشياء المفردة”.
الخطابة السياسية في العصر العباسي
- في العصر العباسي، كانت الخطابة السياسية من أبرز أدوات التواصل والتأثير التي اعتمدت عليها الدولة العباسية في نشر أفكارها وتثبيت شرعيتها. حيث استخدمت الخطابة كوسيلة للتعبير عن المواقف السياسية والتوجهات الدينية، واستُعملت لإعلان الأخبار المهمة وتوجيه الشعوب. كان للخطابة تأثير عظيم لعدة أسباب، منها التطورات السياسية والاضطرابات الاجتماعية والاهتمام الشديد بنشر أفكار السلطة المركزية.
خصائص الخطابة السياسية في العصر العباسي
- الدعوة للطاعة والولاء : استُخدمت الخطابة لتأكيد الولاء للخليفة وضرورة طاعته، وخاصة في الفترات التي كانت تشهد اضطرابات أو تهديدات للسلطة، حيث كان الخلفاء يوظفون الخطابة لتثبيت الاستقرار السياسي.
- قوة البلاغة والأسلوب : اتسمت الخطابة العباسية بالبلاغة العالية، واستخدام التشبيهات والأمثال، وتوظيف اللغة الفصيحة التي تفهمها الجماهير، مما أكسبها التأثير الكبير والقدرة على إيصال الأفكار بقوة.
- التوجيه الأخلاقي : تضمنت الخطب توجيهات أخلاقية تشجع على الفضائل وتحذر من الفساد والفوضى، بما يعزز من قبول الحكم القائم، ويحث الشعب على الالتزام بالقيم الإسلامية والآداب العامة.
- التأكيد على الشرعية الدينية والسياسية : كان العباسيون يسعون إلى إثبات أنهم الورثة الشرعيون للسلطة، فكانت الخطابة تميل إلى التأكيد على الحق الإلهي والشرعية الدينية للحكم العباسي، مستشهدين بآيات القرآن وأحاديث النبي.
خصائص الخطابة في العصر العباسي
قبل التعرف علي خصائص الخطابة في العصر العباسي علينا اولا أن نتعرف أنه اتسمت الخطابة في العصر العباسي بعدة صفات وخصائص، تفردت بها عن العصور السابقة، ويرجع ذلك إلي اختلاف انواعها وتعدد اغراضها في هذا العصر، وخاصة في مطلعه، ومن أهم السمات التي اتسمت بها الخطابة في العصر العباسي هي :
- قوة الألفاظ.
- غلب عليها استخدام الإيجاز على حساب الإطناب.
- اعتمادها على الشعر والاستشهاد به.
- كثرة الاستشهاد بآيات القرآن الكريم والسنة النبويّة الشريفة.
- الميل إلى قل استخدام السجع في نصوصها.
عوامل ازدهار الخطابة في العصر العباسي
من أهم عوامل ازدهار الخطابة في العصر العباسي ما يلي :
- استخدمها الأمراء والخلفاء لإيصال رسائلهم وتوطيد علاقتهم مع شعوبهم.
- كان لها دور في فترة الخلافات الإسلامية والاجتماعية، حيث كانت الأطراف المتخاصمة تعتمد أحد الخُطباء ليمثلهم لتحصيل حقوقهم.
- وقفت الخطابة أمام أصحاب الفتن خاصة في الفترة التي استشهد بها عثمان بن عفان.
- تعد الخطب في مجال القول، مما يسهل عن طريقها إفهام العام والخاص.
- تأثرت الخطابة بالفتوحات الإسلامية، والحياة الحضرية الجديدة التي عرفها العرب.
- ساهم اختلاط العرب بثقافات الغرب في تطور الخطابة وازدهارها.
- قدرة الخطابة على شرح الحقائق وتقديم التفسيرات اللازمة، وذلك باتباع طرق الإقناع، وتقديم الحجج العقلية والبراهين المنطقية.
أسباب ضعف الخطابة في العصر العباسي
ضعفت الخَطابة بعد المائة الأولى من عهد بني العباس كما صرح بذلك الشيخ (محمد أبو زهرة) في كتابه “الخَطابة”، ومن الأسباب التي أدت إلى ضعفها ما يأتي :
- قل شأن العرب بين القبائل الأخرى، وضاعت نفوذهم، وفضّلوا الانحياز إلى الصّحراء، وبالرّغم من فصاحتهم وبلاغتهم فهم أحقّ النّاس بالبيان والفصاحة، إلا أن ضعف دورهم فضعفت الخَطابة فليس المتعرّب كالعربي.
- أنّ العباسيين قد اشتدّ عودهم، وثبتت أركان الدّولة ودعائمها، وشارفوا القضاء على أبناء عمّهم العلويين في الشّرق، كما أنّ خلاف العباسيين قلّ فيما بينهم، فدوافع الخَطابة والحاجة إليها قد تراجعت.
- تعدّد موضوعات الكتابة وتشعّبها، فالخليفة أو الوالي أو القائد إذا أراد أن يَدعو جنوده استعان بالكتاب بدلًا من الخطاب، ما أدّى إلى الاستغناء عن الخَطابة والانحياز إلى الكتابة.
- تراجع الخلفاء عن الخَطابة سبَب في تراجع الكتّاب والطّبقة المثقفة عن الكتابة؛ تقليدًا لملوكهم وخلفائهم، كما أنّ عامة النّاس أصبحوا يَستهينون بالخَطابة والخطيب، فقلّ احترامهم له، وتلاشت الرّغبة لديهم في القَوْل.
- كان حُماة الدّولة العبّاسيّة من الفُرس والتّرك، فلم يُثيرهم الكلام العربيّ البليغ، إذ احتلّت العصبيّات الجنسيّة مكانًا بدلًا من العصبيّات القبلية الّتي وجدت عند العرب، فشأن الخَطابة هنا في حثّهم على الجِهاد، وإشعال الحماسة في نفوسهم.
أشهر الخطباء في العصر الأموي
بعض من أشهر الخطباء في العصر الأموي هم :
- عبد الله بن عمرو بن العاص : كان خطيبًا مشهورًا وعالِـمًـا بالفقه والحديث.
- الحسن البصري : كان من أبرز الخطباء في عصر الأمويين، وكان يشتهر بعظمة خطبه وبلاغته.
- الحجاج بن يوسف الثقفي : كان خطيبًا بارعًا ولكنه معروف بقسوته وظلمه.
- مسلم بن عقبة : كان خطيبًا بارعًا وعالِـمًـا بالقرآن والحديث، وكان له دور كبير في نشر الإسلام في الهند.
- معاوية بن أبي سفيان : كان خطيبًا بارعًا وهو أول خليفة من بين الأمويين.