طرائف جرير والفرزدق

طرائف جرير والفرزدق
طرائف جرير والفرزدق

يعد كل من جرير والفرزدق من أشهر شعراء فن النقائض على مر العصور، وفي العصر الأموي على وجه الخصوص، إذ حظي هذان الشاعران باهتمام خاص من الدارسين والباحثين، لكثرة النقائض الشعرية التي دارت بينهما ، و في المقال التالي تعرفوا معنا على طرائف جرير والفرزدق .

طرائف جرير والفرزدق

طرائف جرير والفرزدق ، النقائض هي قصائد تجمع الهجاء والفخر في الوقت ذاته، وتنظم على نسق القصيدة البادئة.

طرائف جرير والفرزدق
طرائف جرير والفرزدق

طرائف جرير والفرزدق ، كان كل من جرير والفرزدق يقوم بمدح نفسه مفاخراً بالشعر، ويعمد في الوقت ذاته إلى ذم الآخر، والعجب أن كلا الشاعرين من قبيلة تميم، ولكنهما من فخذين مختلفين ما أدّى إلى نشوء عداوة بينها.

لقد كان جرير يحب سحق وإخراس الشعراء في عصره، باستخدام هذا الأسلوب، بالفعل يقال إنه استطاع القضاء على ثمانية شعراء محترمين، ولم يستطع الصمود والنجاة من ذمه المقذع سوى هذين الشاعرين الكبيرين: الفرزدق والأخطل، فمن هم أصحاب النقائض؟

الفرزدق هو: همام بن غالب بن صعصعة الدارمي التميمي، يكنى بأبي فراس وسبب تسميته بالفرزدق، هو تجهم وضخامة وجهه، لأن معنى الفرزدق هو الرغيف المنتفخ. ولد في العراق، واشتهر بشعر الفخر والمديح والهجاء، ويعد من نبلاء قومه وسادتهم في بني تميم، كان يتنقل بين الولاة والأمراء الأمويين ليقول فيهم شعر المدح، وقد توفي عن 110 أعوام.

ونذكر من نقائض الشاعرين قول جرير:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعافابشر بطول سلامةٍ يا مربعُإنَّ الفرزدقَ قدْ تبينَ لؤمهُحيثُ التقتْ حششاؤهُ والأخدعُ

ومما قال الفرزدق مناقضاً جريراً ومفاخراً:

إنّ الــذي سَـمَـكَ السّـمـاءَ بَـنـى لَـنَـابَـيْـتــاً، دَعَـائِـمُــهُ أعَــــزُّ وَأطْـــــوَلُبَيْـتـاً بَـنَـاهُ لَـنَـا المَلِـيـكُ، ومَــا بَـنـىحَــكَــمُ الـسّـمَــاءِ، فــإنّــهُ لا يُـنْـقَــلُ

يقال إنه عندما ذهب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك إلى الحج هو وحاشيته، سار معهم الفرزدق، فكان البيت الحرام يزدحم بالحجيج، فلم يستطع الخليفة الطواف فجلس ينتظر دوره، وخلال ذلك جاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الملقب بـ»زين العابدين« فأفسح له الحجاج الصفوف حتى وصل إلى الحجر الأسود، فأثار ذلك عجب هشام بن عبد الملك فسأل عن هذا الرجل، ولم يكن يعرفه، فرد عليه الفرزدق بقصيدته المشهورة التي قال فيها :

هَذا الذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُوَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُهذا ابن خير عباد الله كلهمُهذا التقي النقيّ الطاهر العلمُ

وأما الشاعر جرير فهو أبو حرزة جرير بن عطية بن حذيفة التميمي، ولقد كان من أشعر شعراء عصره.ولد جرير في منطقة اليمامة وتوفي بها، وكان عفيفاً، وقيل إنه كان من أغزل الشعراء شعراً، ويكفي شاهداً على ذلك قوله الشهير :

إن العيون التي في طرفها حورقتلننا ثم لم يحيين قتلانايصرعن ذا اللب حتى لا حراك لهوهنّ أضعف خلق الله أركانا

نسب الفرزدق وجرير

الفرزدق هو همام بن غالب، كنيته أبو فراس ولقبه الفرزدق، ولقُب به، لغلظة في وجهه. أبوه غالب أحد أجود العرب.. ولد بالبصرة، ونشا في باديتها.. كان الفرزدق متقلبا في مزاجه وعلاقاته الاجتماعية، فقد يمدح الرجل اليوم ليهجوه في يوم آخر. توفي الفرزدق بالبصرة حوالي سنة 733 م وقد شارف على التسعين.

أمُا جرير فهو جرير بن عطية، ينتهي نسبة إلى قبيلة”تميم” نشأ في اليمامة ومات فيها ودفن. كان من أسرة عادية متواضعة.. عفيفًا في غزله،متعففًا في حياته، معتدلا بعلاقاته وصداقاته.. كما كان أبيًا محافظًا على كرامته، هجاء من الطراز الأول، عاش حوالي ثمانين سنة. في الأغلب توفي حوالي سنة 733م وذلك بعد وفاة الفرزدق بنحو أربعين يومًا حسب ما يقال ، وبعد وفاة الأخطل بنحو ثلاث وعشرين سنة.

شعر النقائض بين جرير والفرزدق

شعر النقائض بين جرير والفرزدق

الفرزدق :

ان الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه اعزّ واطولُبيتاً زرارة محتبٍ بفنائه ومجاشعٌ وابو الفوارس نهشلِلا يحتبى بفناء بيتك مثلهم ابداً اذا عُد الفعال الافضل

يرد عليه جرير :

أخزي الذي سمك السماء مجاشعاً وبنى بناءك في الحضيض الاسفلبيتٌ يُحمم قينكم بفنائه دنساً مقاعدهُ خبيثُ المدخل ِقُتل الزبير وانت عاقد حبوةٍ تباً لحبوتك التي لم تحللِوافاك غدرك بالزبير على منى ومجرُ جعثنكم بذات الحرملبات الفرزدق يستجير لنفسه وعجان جعثن كالطريق المعمل( جعثن اخت الفرزدق )

الفرزدق :

حُلل الملوك لباسنا في اهلنا والسابغات الى الوغى نتسربل

جرير :

لا تذكروا حُلل الملوك فانكم بعد الزبيركحائضٍ لم تغسلِ

الفرزدق :

احلامنا تزن الجبال رزانةً وتخالنا جُناً اذا لم نجهلُخالي الذي غصب الملوك نفوسهم واليه كان حباء جفنة يُنقلُانا لنضربُ راس كل قبيلةٍ وابوك خلف اتانه يتقملُ

جرير :

كان الفرزدق اذ يعوذ بخالهِ مثل الذليل يعوذ تحت القرملِافخر بضبةَ ان امك منهم ليس بن ضبةَ بالمعم المخولِابلغ بني وقبان ان حلومهم خفت فلا يزنون حبة خردل

شرح قصيدة الفرزدق في هجاء جرير

من القصائد الشهيرة التي هجا فيها الفرزدق الشاعر جرير قصيدة يقول في مطلعها الذي عُنونت به “إنّ الذي سمك السماء بنى لنا”، وهي قصيدة طويلة تتجاوز السبعين بيتًا، لكن فيما يأتي شرح موجز لبعض أبياتها موزعة في مقطعين :

شرح المقطع الأولإِنَّ الَّذي سَمَكَ السَماءَ بَنى لَنابَيتاً دَعائِمُهُ أَعَزُّ وَأَطوَلُبَيتاً بَناهُ لَنا المَليكُ وَما بَنىحَكَمُ السَماءُ فَإِنَّهُ لا يُنقَلُبَيتاً زُرارَةُ مُحتَبٍ بِفِنائِهِوَمُجاشِعٌ وَأَبو الفَوارِسِ نَهشَلُيَلِجونَ بَيتَ مُجاشِعٍ وَإِذا اِحتَبوابَرَزوا كَأَنَّهُمُ الجِبالُ المُثَّلُلا يَحتَبي بِفِناءِ بَيتِكَ مِثلُهُمأَبَداً إِذا عُدَّ الفَعالُ الأَفضَلُمِن عِزِّهِم جَحَرَت كُلَيبٌ بَيتَهازَرباً كَأَنَّهُمُ لَدَيهِ القُمَّلُ

يفتتح الفرزدق القصيدة مفتخرًا بنفسه فخرًا أراد من خلاله الحطّ والتقليل من قيمة من يهجوه وهو جرير؛ إذ يقول إنّ الله القادر الذي رفع السماء قد جعل الفرزدق في بيت عزّ وشرف، لن يتمكن أحد من الوصول إلى مستواه وهو بذلك أعلى قدرًا وأرفع منزلة من جرير، حتى أنّ بيته تلتجئ إليه سادات العرب وكبارهم، كما يفتخر فرزدق بقومه وقبيلته يحتكمون إلى العقل والحكمة في مختلف الأمور وهزيمتهم غير ممكنة، وقد أراد من هذا الفخر كلّه التقليل من قيمة جرير والحطّ من شأنه، ومن المفردات التي تحتاج إلى توضيح ما يأتي :

شرح المقطع الثانيضَرَبَت عَلَيكَ العَنكَبوتَ بِنَسجِهاوَقَضى عَلَيكَ بِهِ الكِتابُ المُنزَلُأَينَ الَّذينَ بِهِم تُسامي دارِماًأَم مَن إِلى سَلَفي طُهَيَّةَ تَجعَلُيَمشونَ في حَلَقِ الحَديدِ كَما مَشَتجُربُ الجِمالِ بِها الكُحَيلُ المُشعَلُوَالمانِعونَ إِذا النِساءُ تَرادَفَتحَذَرَ السِباءِ جِمالُها لا تُرحَلُيَحمي إِذا اِختُرِطَ السُيوفُ نِساءَناضَربٌ تَخِرُّ لَهُ السَواعِدُ أَرعَلُوَمُعَصَّبٍ بِالتاجِ يَخفِقُ فَوقَهُخِرَقُ المُلوكِ لَهُ خَميسٌ جَحفَلُمَلِكٌ تَسوقُ لَهُ الرِماحَ أَكُفُّنامِنهُ نَعُلُّ صُدورَهُنَّ وَنُنهِلُقَد ماتَ في أَسلاتِنا أَو عَضَّهُعَضَبٌ بِرَونَقِهِ المُلوكَ تُقَتَّلُ

يوجّه الفرزدق في هذا المقطع الإهانات واحدة تلو الأخرى إلى جرير فليس له شيء يفتخر به، فهو من بيت واهن كبيت العنكبوت، ولي له نسب شريف وعريق كنسبه هو، كما أنّ رجال قومه جبناء وضعفاء ويختبؤون خلف النساء في أوقات الشدة، أما قبيلة الفرزدق فيظهر عزها في الحروب؛ فيحملون أفضل السلاح ويرتدون أفضل الدروع.

رد جرير على الفرزدق أولئك آبائي فجئني بِمِثلِهِم

استعمالَ أسلوب الهجاء قد خالطه أيضا أسلوب الفخر ، ويتمثل ذلك في قول الفرزدق يعني جريرا :

أولئك آبَــــــــــائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمإذَا جَــمَعَتْنَا يَا جَرِيرُ المَجَامِعُ

وقوله أيضا :

إنّ الذي سمك السماءَ بنى لنـابـَيْـتـاً دَعَـــــــــــــائِـمُـهُ أَعَـــزُّ وَأَطْـــوَلُ

عارضه وناقضَهُ جرير فقال :

إنّ الـذِي سَمَـكَ السَّمَـاءَ بَـنَـى لَـنَـاعـَـزاًّ عَــلَاكَ فَـمَــــــــــا لَــهُ مِــنْ مَنـقَـلِ

إن أوجَ الصراع بينهما ينتهي بنهاية درامية صادمة ، إذ يموت الفرزدق ويرثيه جرير قائلا :

لَعَمْرِي, لَقَدْ أَشْجَى تَمِيماً وهَدَّهَاعَلَى نَكَبَاتِ الدَّهْرِ مَوْتُ الفَرَزْدَقِ

قصة الأعرابي مع جرير والفرزدق

يقال‏ دخل رجل من بني عذرة على عبد الملك بن مروان يمتدحه بقصيدة، وعنده الشعراء الثلاثة‏:‏ جرير والفرزدق والأخطل، فلم يعرفهم الأعرابي، فقال عبد الملك للأعرابي‏ :‏

هل تعرف أهجى بيت قالته العرب في الإسلام‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ قول جرير‏:‏

فغض الطرف إنك من نمير … فلا كعباً بلغت ولا كلاباً

فقال‏:‏ أحسنت ‏!‏ فهل تعرف أمدح بيت قيل في الإسلام‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ قول جرير‏:‏

ألستم خير من ركب المطايا … وأندى العالمين بطون راح

فقال‏:‏ أصبت وأحسنت ‏!‏ فهل تعرف أرق بيت قيل في الإسلام‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏ قول جرير‏:‏

إن العيون التي في طرفها حور … قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

فقال أحسنت ‏!‏ فهل تعرف جريراً‏؟‏

قال‏:‏ لا والله وإني إلى رؤيته لمشتاق‏.‏

قال‏:‏ فهذا جرير وهذا الفرزدق وهذا الأخطل، فأنشأ الأعرابي يقول‏:‏

فحيا الإله أبا حــــــــرزة … وأرغم أنفك يا أخــطل

وجد الفرز دق أتعـس به … ورقَّ خياشيمه الجندل

فأنشأ الفرز دق يقول‏:‏

يا أرغم الله أنفاً أنت حــــــــامله … يا ذا الخـنا ومقـال الزور والخطل

ما أنت بالحكم الترضى حكومته … ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل

ثم أنشأ الأخطل يقول‏:‏

يا شر من حملت ساق على قدم … ما مثل قولك في الأقوام يحتمل

إن الحكومة ليست في أبيك ولا … في معشر أنت منهم إنهم ســفل

فقام جرير مغضباً وقال‏:‏

أتشتمان سفاهاً خيركم حسباً … ففيكم -وإلهي – الزور والخطل

شتمتماه على رفعي ووضعكما … لا زلتما في سفال أيها السفل

ثم وثب جرير فقبل رأس الأعرابي، وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين جائزتي له، وكانت خمسة آلاف، فقال عبد الملك‏:‏ وله مثلها من مالي، فقبض الأعرابي ذلك كله وخرج .